وطنية

شبهات فساد مالي وإداري طالت صفقة عمومية أبرمتها الشّركة الوطنية للسّكك الحديدية التّونسية مع مزود أجنبي

أحالت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على أنظار السيّد وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس، ختم أعمال التّقصّي في شبهات فساد مالي وإداري في صفقة اقتناء عوارض خشبية، كانت أبرمتها الشّركة الوطنية للسّكك الحديدية التّونسية مع أحد المزوّدين الأجانب خلال سنة 2017 والتي تُنسبُ لموظفين بالشركة، من بينهم الرّئيس المدير العام ومدير المراقبة القانونية ومدير الشّراءات ومدير إدارة صيانة السكّة والمنشآت الفنية والمباني.
     ويُذكر أنّ منطلق البحث في هذا الملف، كان بموجب عريضة مدعّمة بمؤيدات وعدد من الملاحق وردت على الهيئة بتاريخ 24 نوفمبر 2020، في إطار القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المؤرّخ في 7 مارس 2017 والمتعلّق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلّغين. تضمّنت تبليغا عن إخلالات وتجاوزات وشبهات فساد في الصفقة المذكورة ومنها خاصّة عدم مطابقة العوارض الخشبية المقتناة للشروط والمواصفات الفنية المطلوبة.  
   وأمام جدّية الموضوع وأهمية الشّبهات المثارة، باشرت الهيئة بداية من تاريخ 25 نوفمبر 2020 أعمال التقصّي المستوجبة في علاقة بملف الحال وذلك من خلال مكاتبة الجهات المعنية والحصول على معطيات وتقارير اقتضاها سير البحث الجاري لديها ومنها خاصّة التّصاريح الدّيوانية وفواتير التّوريد ووثائق الشّحن المتعلّقة بالعوارض الخشبية وملف الصفقة ومعلومات عن الأطراف المشمولة بالتتبع.

   كما تولت الهيئة في هذا الطــور الاستقرائي، سماع الجهة المبلّغة والتّحرير على أقوالها في مناسبتين بتاريخ 25/11/2020 وبتاريخ 30/11/2020 وكذلك سماع الأطراف الأخرى المعنية خلال شهر أفريل 2021 لتلقي وجمع الإرشادات والتّصريحات الممكنة لمزيد إنارة التحرّيات. 

   وبهدف تعميق أعمال التقصّي، قامت الهيئة بتاريخ 30/11/2020 بإجراء معاينة ميدانية بحضور الرّئيس المدير العام للشّركة الوطنية للسّكك الحديدية التّونسية ومدير ديوان وزير النّقل واللّوجستيك وممثلين من مصالح التّدقيق والرّقابة، على كمية العوارض الخشبية بمحل الواقعة بورشات سيدي فتح الله التّابعة للشركة بتونس والتي أسفرت عن تلقي الهيئة لاحقا لمعطيات ومعلومات جديدة في علاقة بمسار ملف الصفقة. كانت متجانسة تماما مع الوثائق المظروفة والمؤيّدات المتحصّل عليها وكذلك مخرجات المهمّة الرّقابية لفريق التدقيق بالشركة بتاريخ 05 جانفي 2021. ما مكّن الهيئة من الوقوف على مجموعة من القرائن الجدّية والمتظافرة بخصوص الشّبهات التّالية :  

1- يتعلّق الموضوع بطلب عروض دولي أصدرتهُ الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية بتاريخ 04 أفريل 2017 لاقتناء عدد 13.690 عارضة خشبية، في إطار سد حاجياتها ومنها خاصّة تجديد مسار السكة الحديدية على الخط رقم 1 الرّابط بين تونس وبنزرت والخط رقم 10 الرّابط بين منطقتي بئر بورقبة والحمامات ورقم 22 الرابط بين سوسة والمنستير والمهدية وكذلك الخط الرّابط بين العاصمة وجندوبة. وقد تمّ إمضاء عقد الصفقة من طرف الرّئيس المدير العام للشركة يوم 20/10/2017 مع مزوّد أجنبي بقيمة 2.010.082،000د والذي شرع عمليا في وسق العوارض إلى تونس على أقساط بداية من شهر جانفي 2019 بلغت في مجملها 9.534 قطعة بتاريخ 3/10/2019 من الكمية العامة المتفق عليها.  إلاّ أنّه تبيّن للهيئة بمناسبة التقصّي في الموضوع، ما يلي :
-    تبيّن وقوع إخلالات وتجاوزات في مسار الصفقة محل التتبع وخاصّة في مرحلة قبول العوارض الخشبية والإمضاء على محضر الاستلام الوقتي وإيداعها مباشرة بورشات الشركة دون فرزها والتثبت من مدى مطابقتها للمواصفات والشّروط الفنية المطلوبة،
-    تبيّن وجود كمية من العوارض الخشبية غير الصالحة للاستعمال تقدّر بــــ 2255 عارضة من مجموع 5876 قطعة أمكن للجهات المختصّة اختبارها ومعاينتها بعد إثارة الشبهات. وهو ما يعني أنّ أكثر من %38 من تلك العوارض غير مطابقة للمعايير والمواصفات الفنّية، ما يمثل خطرا جديا على جولان القطارات وعلى سلامة المسافرين في صورة تركيبها،
-    تبيّن وأنّ جزء من العوارض غير الصالحة للاستعمال، قد سبق توزيعه وتركيبه بعدد من خطوط السكّة ببعض المناطق بالجمهورية،

2- تأكّد من مظروفات الملف، أنّ الإدارة العامّة للشّركة الوطنية للسّكك الحديدية التّونسية قد أرسلت ممثلين (02) إثنين عن الشركة للقيام بعملية المراقبة والتّثبت في صنع العوارض وفي مدى مطابقتها للمواصفات والمعايير الفنية التعاقدية وذلك بمقر المصنع بدولة رومانيا خلال الفترة المتراوحة من 29 أكتوبر 2018 وغلى غاية 2 نوفمبر 2018. في حين أفضت التّحريات لاحقا إلى أنّ اختصاص الممثلين الإثنين لا علاقة له بميدان الخشب وبالتالي لا يؤهلهما لا واقعا ولا قانونا لإجراء تلك المعاينة الدقيقة والمهمّة والتي كان يُفترضُ أن يقوم بها "خبير معتمد" في الخشب أو ممثلا عن أحد المراكز الفنية المختصّة، المؤهلين دون سواهم للتّحقق في مدى مطابقة المنتوجات للمعايير القياسية والتأكّد من نوعية الخشب المستعمل ومصدره ومؤشر الصلابة وطريقة طلائها ومن حصول المُصنّع على شهادة المطابقة التي تثبتُ التزامه بمعايير الجودة سواء الاختيارية أو الإلزامية وذلك قبل شحن العوارض إلى تونس.
3-  ثبت بالرّجوع إلى المنظومة الدّيوانية "سند" وبعد مراجعة التصاريح الدّيوانية وأنّ الشركة  الوطنية للسّكك الحديدية التونسية قد تسلمت وإلى غاية 30/10/2019 عدد 9.534 عارضة خشبية قادمة من رومانيا عبر ميناء رادس. في حين أشارت التحريات إلى أنّ ورشات الشركة لم تتسلّم فعليا سوى 9.338 قطعة، أي بنقص قدره 196 عارضة خشبية لم يتسنّ تحديد مآلها.
4- توصلت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد من مصادرها وبتاريخ 08/01/2021 بنسخة من تقرير الرقابة المنجز في علاقة بالصفقة من قبل فريق التدقيق بالشركة والذي أحيل على الرّئيس المدير العام بتاريخ 05/01/2021. إلاّ أن هذا الأخير تعمّد المماطلة وعدم موافاة الهيئة بنسخة منه رغم المراسلات الموجّهة إليه في الغرض وذلك إلى حد تاريخ 22 مارس 2021. ليتضح بداية من شهر أفريل 2021 وبمناسبة سماع الأطراف، أنّ الرّئيس المدير العام قد استغل صفته لعدم اتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية ضد من ثبت تورطهم في التجاوزات التي أُعلم بها ضمن التقرير الرقابي. بل وسعى إلى استغلال نفوذه وممارسة ضغوطات على فريق تدقيق جديد عيّنهُ بتاريخ 24/02/2021 لإعادة البحث في الملف من خلال إدراج معلومات ومعطيات من شأنها ضرب مصداقية وجدّية التقرير الأصلي. 
5- ثبت أنّ الشركة الوطنية للسّكك الحديدية قد قامت بتاريخ 03/12/2021 أي بعد يوم من توصلها بمكتوب من الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد حول شبهات الفساد في الصفقة، بتوجيه مراسلة إلى المزوّد الأجنبي لإعلامه بأنّها "تفطّنت" لوجود كميات من العوارض الغير مطابقة للمواصفات الفنّية. كما تولت بتاريخ 06/01/2021 مكاتبة المزود لطلب تعويض كمية العوارض غير المطابقة للمواصفات. إلاّ أنّ المزوّد رفض الطلب وتمسّك بأنّ العواض تم شحنها سليمة وبأنّها تضرّرت نتيجة الإهمال وتركها لأكثر من سبعة (07) أشهر داخل الحاويات بميناء رادس، إلى جانب انقضاء أجل الضمان القانوني. وهذا ما يعني بأنّ الشركة لم تكن فعلا على علم بعدم مطابقة العوارض الخشبية للمواصفات إلا بعد إثارة الموضوع من قبل الهيئة وإمّا أنّها كانت على بيّنة منذ البداية وخيّرت عدم أخذ الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة. وفي كلتا الحالتين تكون الشركة قد أساءت التصرّف وألحقت بذلك الضرر بالمرفق العمومي. 
6- شبهة تعمّد الرّئيس المدير العام للشركة امتناعه دون وجه حقّ عن القيام بالأمور القانونية التي كان من واجبه القيام بها والناجم عنه إلحاق الضرر بالإدارة وجبر موظف وحمله على فعل أو ترك أمر من علائق وظيفته. وهذا ما كبّد الشركة خسارة قدّرت مبدئيا بــــ 533.148،126د.
7- شبهة تعارض المهام وتضارب المصالح، حيث تبيّن أنّ نفس الشخص الذي قام بمعاينة عملية صنع العوارض برومانيا والإمضاء هناك على مطابقتها للشروط والمواصفات الفنّية، هو من قام بإمضاء محضر استلام تلك العوارض عند وصولها لتونس وهو أيضا من قام عند إثارة التجاوزات والشبهات بإعداد تقرير حول عدم مطابقتها للمواصفات وتحميل المزوّد المسؤولية في ذلك.